---

محليات

مضاربات رائجة ..الاحتيال التجاري بين التضليل والتدليس

الثلاثاء March / 30 / 2021

سرور العلي 
لا يمكن لأي بلد في العالم أن ينهض ويتطور اقتصادياً من دون سياسة تجارية سليمة، إذ يعد النشاط التجاري المحرك الاساس للاقتصاد، والروح للجسد الصناعي والزراعي، و من أهم التحديات التي تواجه هذا النشاط، وتؤثر بشكل كبير في اقتصادنا هو التحايل التجاري.
الناطق باسم وزارة التجارة محمد حنون بين: "يعد الاحتيال عملا مخادعاً ومضللا يقوم به شخص او شركة بطريقة متعمدة من خلال تقديم معلومات خاطئة أو مضللة، للحصول على ميزة أو ربح او مكاسب غير عادلة، وهو من اخطر الاعمال الاجرامية التي تؤثر في الاقتصاد الوطني، والتنمية الاقتصادية".
 
ظهور الاحتيال التجاري
يعد العراق بعد 2003 من افضل الدول التي يمكن أن يمارس فيها الاحتيال والغش التجاري، إذ نشأت طبقة جديدة من رجال الاعمال والتجار، تمكنت من بناء ثروات هائلة، واصبح لها نفوذ قوي في العراق.
وأكد حنون "ان التحايل التجاري موجود دائماً وفي اغلب الدول، لكن تأثيره يختلف من دولة الى اخرى حسب قوة النظام والقانون، فقبل عام 2003 كانت الدولة مسيطرة بشكل كامل على الاقتصاد، و كان القطاع الخاص مراقبا بشكل كامل، والتجارة الخارجية مراقبة، ومقيدة بشكل كبير جداً، وبعد 2003  فتح بريمر حدود العراق امام التجارة، واصبحت الاسواق العراقية مستباحة امام السلع الاجنبية". 
مضيفاً "اي قرار يصدر من رئاسة الوزراء لتنظيم التجارة الخارجية للعراق سيواجه تحديات كبيرة، واهمها نفوذ مافيات التجار في مؤسسات الدولة ومراكز صنع القرار، والتحايل التجاري موجود ومتغلغل وقرارات مجلس الوزراء كشفت الغطاء عن عمق وتغلغل التحايل في العراق".
ان الغالبية العظمى من دول العالم اعضاء في منظمة التجارة العالمية، باعتبارها الموجه الاساس للتجارة العالمية، باستثناء العراق، فانه مراقب منذ عام 2004 ، ولم يتم انجاز ملفات الانضمام لغاية الآن.
وبين حنون أن "الجهاز المركزي للتقييس والسيطرة النوعية من الاجهزة المهمة في عملية السيطرة، وتنظيم التجارة الخارجية، لكن دوره لن يكون مؤثرا من دون هيئة المنافذ الحدودية، والهيئة العامة للجمارك".
 
حماية المنتوج الوطني
ان من اهم أولويات كل دولة توفير الحماية للمنتجين الوطنيين، وتعد السياسة التجارية العامل الاساس في هذا الموضوع،  وتتضمن ادوات السياسة التجارية الوثائق التجارية والتعرفة الجمركية والمواصفة القياسية، وأشار حنون إلى أن "الوثائق التجارية، تثبت منشأ البضاعة والفاتورة التجارية التي تؤكد ثمنها الحقيقي، والقانون العراقي يلزم التجار بالمصادقة على هذه الوثائق في الملحقيات التجارية، لكن مجلس الوزراء اعفى التجار من المصادقة على هذه الوثائق مقابل رسوم مالية يدفعها التاجر في المنفذ الحدودي، وان هذا الاجراء يعتبر كارثيا، لأن التجار يتحايلون على القانون، ويقدمون وثائق غير حقيقية ومزورة".
وتابع "بسبب فساد هيئة الجمارك، وعدم أتمتة العمل فيها لا توجد لدينا بيانات حقيقية عن السلع التي تدخل الى العراق، وهذا فقط في العراق، اذ لا توجد اي احصائيات تجارية حقيقية، ولا يمكن تنفيذ اي سياسة تجارية او حماية المنتوج الوطني، ومن دون ضبط وأتمتة للجمارك وربط عملها الكترونياً بوزارة التجارة (الاستيراد + الملحقيات التجارية) والبنك المركزي وهيئة المنافذ الحدودية و الوزارات المختصة مثل الصحة والزراعة، فلن تتمكن الحكومة من توفير اي حماية للمنتجين الوطنيين".
 
المواصفة القياسية
لكي يتمكن الجهاز المركزي للتقييس والسيطرة النوعية من تدقيق المواصفة القياسية يحتاج الى سلطة قانون قوية في المنفذ الحدودي، ومن دون هذه السلطة لن يتمكن الجهاز من القيام بمهامه على الوجه الصحيح.
وبين حنون "حماية المنتوج الوطني تحتاج الى سياسة تجارية صحيحة، وتلك بحاجة الى ادوات واهمها، ضبط المنافذ الحدودية، وأتمتة العمل في المنافذ الحدودية، والهيئة العامة للجمارك، وجميع الجهات المختصة، والزام المستوردين بالتصديق على الوثائق التجارية في ملحقياتنا التجارية مع رفع رسوم التصديق من 100  الى 250 دولاراً بما يحقق زيادة للواردات الحكومية، وحماية فاعلة للاقتصاد من اعمال الاحتيال التجاري".
 
التشريعات القانونية
ندى جواد النوري، المحامية في محكمة استئناف الرصافة الاتحادية، أوضحت: أن "التحايل التجاري هو إيهام المستهلك عن طريق إعطاء صفة الجودة للشيء غير الجيد، وقد بينت المادة 9 من قانون حماية المستهلك العراقي رقم (1) لسنة 2010 السلوك الإجرامي الداخل ضمن مفهوم التحايل التجاري، والمتمثل بممارسة الغش، والتضليل والتدليس، وإخفاء حقيقة المواد المكونة للمواصفات المعتمدة في السلع والخدمات كافة، واستعمال القوة أو الممانعة مع لجان التفتيش، وممثلي الجهات الرسمية ذات العلاقة ومنعهم من القيام بواجباتهم، أو عرقلتها بأية وسيلة كانت، وإنتاج أو بيع أو عرض أو الإعلان عن سلع، وخدمات مخالفة للنظام العام أو الآداب العامة، وأي سلع لم يدون على أغلفتها أو عليها وبصورة واضحة المكونات الكاملة لها، أو التحذيرات (إن وجدت) وتاريخ بدء وانتهاء الصلاحية، وإخفاء أو تغيير أو إزالة أو تحريف تاريخ الصلاحية". 
مضيفة "إعادة تغليف المنتجات التالفة أو المنتهية الصلاحية بعبوات وأغلفة تحمل صلاحية مغايرة للحقيقة ومضللة للمستهلك، وقد حددت المادة (10) من ذات القانون عقوبة القائم بالتحايل التجاري والمتمثلة بـ (الحبس لمدة لا تقل عن (3)  أشهر أو بغرامة لا تقل عن مليون دينار، وهي عقوبة قليلة أمام ظاهرة التحايل التجاري التي بدأت تنتشر بشكل كبير، خاصة في الإعلانات التي تروج للبضائع بواسطة وسائل التواصل الاجتماعي، وعند إرسال البضاعة التي تم الاتفاق عليها مع المستهلك يظهر أنها ليست بذات الجودة التي أعلن عنها، ولا يستطيع هذا المستهلك متابعة الجهة التي روجت للبضاعة، لأنه ليس لهم محل ثابت، وإنما حجز عبر الانترنت، واغلب الحسابات هي وهمية".
وتابعت النوري "لا يمكن أن نجزم بأن التحايل التجاري قد ظهر بعد اصدار تعليمات من مجلس الوزراء بخصوص استيراد المواد الموجودة بكثرة في منتوجنا الوطني، لأننا لا نملك إحصائيات رسمية لبيان اعداد حالات التحايل التجاري قبل وبعد إصدار هذه التعليمات، إلا أن التحايل التجاري جريمة ترتكب بشكل لافت للنظر لسهولة ارتكابها، ولكثرة القنوات التي يسلكها المحتال".
قانون العقوبات
ومن الجدير بالذكر أن المشرع العراقي في قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 قد جرم أيضا التحايل التجاري وفق أحكام المادة ( 467)، إذ بين المحامي سلوان عادل: "ينص ذلك القانون على أن يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنتين، وبغرامة لا تزيد على مئتي دينار او بإحدى هاتين العقوبتين من غش متعاقدا معه في حقيقة بضاعة او طبيعتها او صفاتها الجوهرية او العناصر الداخلة في تركيبها او نوع البضاعة او مصدرها في الاحوال التي يعتبر فيها ذلك سببا اساسيا في التعاقد، او كان الغش في عدد البضاعة او مقدارها او مقياسها او كيلها او وزنها او طاقتها، او كان في ذاتية البضاعة، اذا كان ما سلم منها غير ما تم التعاقد عليه".
 
حماية المنتوج الوطني من المنافسة
وبشأن كيفية دعم المنتوج الوطني من خلال التشريعات القانونية، وحفظه من المنافسة الشديدة لدول الجوار، وتسويق منتجاتها أكدت النوري: "ان أهم آلية لحماية المنتوج الوطني تكمن في إيقاع الضرائب على المنتوج المستورد، وعدم استيراد ما يمثل الاكتفاء الاستهلاكي للمنتوجات الوطنية، فعلى سبيل المثال العراق لديه اكتفاء ذاتي في الثروة الزراعية، والاسماك وغيرها من المنتوجات التي كان العراق يتصدر دول المنطقة بجودتها، ومع ذلك يسمح لدخول منتوجات زراعية وصناعية أقل جودة من منتوجنا الوطني، وبالوقت ذاته يتم اغراق السوق فيها مع تسهيل الدخول الجمركي بمقابل تشديد الإجراءات الداخلية على المنتوج الوطني، وبرأينا المتواضع ان قضية حماية المستهلك العراقي قضية تحتاج الى تدخل سياسي أكثر مما تحتاج إلى تدخل تشريعي".
 
بضائع مزورة
 الدكتور أحمد عبد الكريم الحمداني لفت إلى أن  "وجود بضائع غير خاضعة للرقابة المحلية يستوردها العديد من التجار، ويدفع ثمنها مواطنون نظراً لوجود غش صناعي يتمثل بعمليات تزوير على علاماتها التجارية، وضعف الرقابة الاقتصادية والقانونية أدى الى انتشار عشرات المصانع التي تمارس الغش التجاري من خلال تقليد ماركات البضائع والمواد الغذائية، وتمديد صلاحية المنتهية منها بهدف الإضرار بصحة المواطن، فضلا عن الاضرار بالصناعة الوطنية، وتشهد مناطق أطراف العاصمة بغداد انتشاراً كبيراً لتلك المصانع والمطابع التي تعمل في هذا المجال، فالعراق يخسر يومياً آلاف الدولارات نتيجة عدم وجود ضوابط تحدد العلامات التجارية التي تتناسب مع المواصفات العراقية، كما ان معظم التجار في العراق يقومون باستيراد آلاف الاطنان من البضائع المزورة تحت مسميات وعلامات تجارية عالمية، في حين لا تمتلك تلك البضائع ما نسبته 10 % من المواد الاصلية التي تحمل تلك العلامة".
وقال الصيدلاني أحمد حامد: "مفهوم الغش التجاري يجب أن يعرف على أنه اي منتوج يكون خارج المواصفات القياسية المقرة من قبل الهيئات المختصة في الدولة، وان ازدهار الغش التجاري في اي بلد يعكس ضعف الرقابة الحكومية، وهو يؤثر بشكل مباشر في حجم مبيعات المنتوج المحلي، لكونه خارج الضوابط التصنيعية". 
وبينما نحاول الوصول الى اكثر من طرف وجهة لها علاقة بتحقيقنا، ولكي نحقق اكبر مساحة للمواطن من التوعية والالمام بهذا الجانب، الا ان وزارة الداخلية كجهة مهمة امتنعت عن التحدث في الموضوع.