---

محليات

المكفوفون.. بصائر مشرقة بالاصرار

الاثنين November / 9 / 2020

  زهراء جبار الكناني

انفرد دون غيره من البائعين كان يفترش الارض  بعلب المناديل الورقية، اقتربت نحوه لابتاع منه، وحينما ناولته ثمن المناديل كانت الصدمة!

اذ اشار بيده لإمساك المال وهنا ادركت بانه كفيف، ترجلت عنه وكل ما حضرني في تلك اللحظة ارادة هذا الرجل الاربعيني بتوفير عمل لنفسه وكسب رزقه من اجل الا يمد يده، طالباً الصدقة. 

مشهد رصدته "الصباح" وغيره على الشاكلة نفسها لنساء ورجال مكفوفين يزاولون العمل بثقة وحب، هناك من يتعاطفون معهم، وآخرون ينظرون لهم بفخر واعتزاز كما هو حالنا.

ولتسليط الضوء على شريحة المكفوفين وكيفية تعايشهم في المجتمع، ارتأت "الصباح" زيارة معهد نور الامام الحسين (عليه السلام) للمكفوفين وضعاف البصر التابع للعتبة الحسينية المقدسة لإجراء هذه الجولة الاستطلاعية.

أحلام بريئة

لم يتسن لنا الحديث وسؤال التلاميذ الذين التقيناهم مراعاة لمشاعرهم، الا اننا استمعنا لاحد التلاميذ الذي رحب بزيارتنا بتلاوة من سورة البينة بصوت شجي اثار عبرتنا، وكانت هناك فتاة منشدة حسينية واخرى تصنع الاكسسوار بشكل رائع.

 جميعهم كانوا يحملون بقلوبهم احلاماً بريئة، خطتها اناملهم بحروف "البرايل" التي حاولنا فهمها الا اننا عجزنا، اذ ثبت الاساتذة امنياتهم تلك على لوحة عند باب كل صف ينتمون اليه.

حدثتنا استاذة علم الاجتماع فاطمة داوود سلمان قائلة: "ان اغلب حالات العوق هي ولادية، والبعض الاخر بحادث، ولكوني باحثة اجتماعية تبنيت الكثير من الحالات التي استنزفت بها مشاعر هذه الشريحة  بالبحث عن المودة وعدم الشعور بالدونية، وقد وردتنا حالات تثير الشجون، من خلالها لاحظت أن اغلب اسر المكفوفين فيها الوالدان منفصلان، وذلك لاعتقاد الزوج أن سبب ولادة طفل كفيف هو عامل الوراثة، لهذا يسعى الى الطلاق والاقتران بزوجة اخرى".

كما تابعت حالة تلميذ تعايش مع ما ذكرت اعلاه "فبعد طلاق امه تزوجت برجل آخر، ولم يتقبل اهلها وجود الطفل فاجبر الاب على اخذ ابنه".

وهنا وقعت الطامة الكبرى، اذ لم يتقبل وجوده بين ابنائه الاصحاء من زوجته الثانية، فسعى لعزله عن اخوته بمخدع خاص به وهو تحت السلم!

 

المسالمون

وعن ايجابيات المعهد قالت: "بعض الاسر تغيرت حياتها بعد التحاق ابنائها بالمعهد، فمنهم من ذكر لنا ان وضع البيت غير جيد بسبب انشغال زوجته بابنها المكفوف، وان هناك تقصيراً، وبفضل المعهد انتظمت حياتهم، الا ان منهم من كان على وشك الانفصال بسبب ابنتهم الكفيفة، وعند التحاقها بالمعهد تغيرت حياتهم وابعدوا شبح الطلاق، وهناك من تعرض الى التعنيف الاسري، ولكن بجهود القائمين في المعهد والاساتذة استطعنا خلق انسان جديد منهم". 

وتابعت قائلة: "ان اصعب ما واجهته هو كيفية التعامل معهم وتأقلمهم مع المجتمع الخارجي، اذ ان اغلبهم منعزلون وذلك بسبب الاهل، اذ يرون أن عوق ابنائهم شيء مخجل، الا ان جهودنا باكتساب ثقتهم بأنفسهم كانت مثمرة، لانهم الطبقة الاكثر مسالمة، وما ان شعروا بالطمأنينة، بادلوك الحب دون مقابل".

 

مواهب مكبوتة

وعن المواهب التي يمتاز بها تلاميذ المعهد قالت لنا مختصة التربية الرياضية والاشغال اليدوية رسل زهير الانصاري: "تنوعت مواهب التلاميذ، فمنها سرعة الحفظ والبديهية بقراءة الجملة التي يلقيها المعلم، فكان احد الطلبة لا يختلط مع ابناء عمه لانهم يحضرون دروسهم وهو لا يقرأ، وبعد دخوله المعهد بدأ هو من يعلمهم ويصحح لهم اخطاءهم، وهناك من يقمن باشغال يدوية مميزة للفتيات".

واضافت الانصاري: "كما تضمنت ورشات الاعمال اليدوية دروساً عن السير والسلوك والجلوس وكيفية التعامل مع المجتمع من اجل الا يلاقوا صعوبة عندما يحتكون بالعالم الخارجي، اذ التحق  أحد طلبتنا  وهو طالب موهوب بفرقة السراج المسرحي للمكفوفين كممثل للمشاركة بعروضها".

 

ثقافة شائعة

وشاركنا معاون مدير المعهد عامر هاشم حبيب الشمري قائلاً: "ان مفهوم المكفوفين غير واضح للبعض، اذ ان الاعمى حينما يولد اعمى، اما اذا تقدم بالعمر وهو كفيف البصر يُسمى كفيفاً، اما الضرير هو من ناهز عمر الشيخوخة واصابه الضرر في عينه جراء تقدمه في العمر، كما ان التعامل مع المكفوفين متباين، فالبعض يتعامل بأخوية والبعض بقساوة والبعض يعطف عليه كونه مكفوفاً".

واضاف: "ان اغلب المكفوفين تكون حقوقهم مسلوبة كالزواج والأسرة، فالثقافة الشائعة عدم التناسب بين الاسر، خوفاً من الانجاب والاصابة بالعمى الوراثي".

وعن الدعم لهذه الشريحة قال الشمري: " ان من ابسط الامور تخصيص مناطق العبور لهم وتحديد قواعد لمحط اقدامهم، اذ يشعرون بها خلال السير، وهناك عصا بيضاء تعني كفيفاً، واذ كانت عصا بيضاء عليها خط احمر تعني مزدوج العوق، اذ انه كفيف ولا يسمع، فمن خلال زيارتي للدول المجاورة لاحظت فوارق كبيرة بهذا الجانب، فهناك مراكز ايوائية، اما في دول اخرى ترافقهم كلاب خاصة مدربة لتكون مرافقاً مبصراً معهم، وايضا في مراجعات المعاملات في الدوائر الرسمية، اذ ينتظر دوره في الطابور حاله حال المبصر، وفي كثير من الاماكن لا يكون له استثناء نظراً لوضعه الصحي".

 

أريد مدرسة!

وعن بداية تأسيس المعهد حدثنا مدير المعهد سامي جواد المنذري قائلاً: "في احدى سفراتي الى لبنان اطلعت على مركز لتأهيل ورعاية ذوي الاحتياجات الخاصة، ونقلت مشاهداتي الى المتولي الشرعي في العتبة الحسينية المقدسة الشيخ عبد المهدي الكربلائي، واقترحت الاهتمام بالمكفوفين كون هذه الشريحة لا يوجد لها متنفس في العراق سوى خمسة معاهد حكومية هي: ( بغداد والبصرة والديوانية والنجف والموصل)، فرحب سماحته بالفكرة واجراء اللازم".

ويضيف المنذري "أعلنا عن اقامة دورة لتعليم المكفوفين الدروس الاساسية ( طريقة برايل للكتابة، السير والسلوك ، البرنامج الناطق) لكل مدن العراق ولكلا الجنسين وبمختلف الاعمار، فكانت الاستجابة مذهلة، كما اقمنا دورتين بواقع (50) مشاركاً لكل دورة، وكان السكن والطعام والنقل ومستلزمات الدراسة مجانية، وفي حفل تخرج الدورة الثانية قام طفل مشارك بالدورة وطلب اللقاء بسماحة الشيخ الذي كان حاضراً في الحفل وقال لسماحته بعفوية: (انت الشيخ؟..اريد مدرسة مثل بقية الطلاب)، كان موقفاً مؤثراً، فامرني سماحته بتهيئة مدرسة وبجميع مستلزماتها في لحظتها".

 

خطوات البداية

وتابع المنذري حديثه قائلاً: "استعانت ادارة المعهد بالدكتور صادق المالكي رئيس منظمة برايل، وعضو الاتحاد العربي للمكفوفين في بغداد بتهيئة كادر للمدرسة، فاقمنا دورات استقطبنا بها الراغبين، اذ تم افتتاحه بواقع(23) طالباً وطالبة، وتم الاعتراف به من قبل وزارة التربية و وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، كما ان المناهج هي نفسها في الدراسة الابتدائية، يضاف لها لغة برايل وكتاب السهل وهو مثل قراءة الصف الاول الابتدائي، الا انه خاص بالمكفوفين".

ويتابع مدير المعهد قوله "ولان المعهد يستقطب المرحلة الابتدائية فقط  من عمر الست سنوات الى عشر سنوات، بادرت الادارة باستحصال الموافقات من وزارة التعليم حول الاعمار المتقدمة في دراسة اليافعين من(11 الى 15) والمسرع من (15 الى 18) ومحو الامية من (15) فما فوق، ويعد معهد النور هو الاول في العراق الذي يحصل على هكذا موافقات، و يضم المعهد (126) طالباً وطالبة ولكل المراحل، وهو الان في صدد افتتاح فرع آخر في مدينة السماوة، وعن كيفية تواصل المعلمين مع التلاميذ، اقمنا دورات لاعداد المعلمين، والتحق بالمعهد اساتذة مكفوفون ايضا، اما الخدمات التي يقدمها المعهد، فتتضمن النقل والتدريس والقرطاسية والطعام والملابس وجميعها مجانية، اضافة الى مساعدة بعض الطلبة المتعففين".

 

مساهمات اخرى

واشاد المنذري بجهود القائمين على المعهد و بالمساهمات الاخرى مثل اهداء طلبة معهدي الرمادي والموصل المستلزمات الضرورية للمكفوفين (لوحة، عصا، حاسبة)، وتوفير طابعة لطباعة المناهج الدراسية بطريقة برايل وهي الاولى من نوعها في العراق.

اذ يعد معهد نور الامام الحسين (عليه السلام) للمكفوفين وضعاف البصر المعهد الاول الذي يقوم بنشاط رفع العلم على مستوى العراق، ويقدم الاناشيد الرائعة منها نداء العقيدة ونشيد موطني، اضافة الى اناشيد اخرى.

و ختم المنذري حديثه: "اهم نقطة تحققت في المعهد للمكفوفين هي التواصل الاجتماعي، فيما بينهم وهدم الحاجز النفسي مع بقية افراد المجتمع".