---

محليات

80 % من أطفال التوحد يكتسبون الشفاء من {المرض الصامت}

الاثنين November / 9 / 2020

نورا خالد
أنجبته طفلا طبيعيا، بكامل صحته وحيويته حتى بلوغه الشهر السادس من عمره، بدأت ألاحظ أن سلوكه يختلف عمن هم بعمره، خاصة أن لديه أخا آخر اكبر منه، مما يعني أنني أعرف جيدا ما يفعله الطفل في هذه الأشهر"، قالت ام أحمد بحسرة وهي تتنهد.
 وواصلت "لم يكن احمد يتواصل معي بصريا ولا يلتفت الى الأصوات، التي نصدرها لغرض لفت انتباهه، كما لم تصدر منه تعابير تدل على فرحه او استجابته لاي فعل نقوم به، حتى اكتشفت أنَّ هذه التصرفات من أعراض التوحد".
ازدياد الحالات
مديرة قسم ذوي الاعاقة في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية د. خلود فارس اشارت في حديثها لـ"الصباح" الى  أن "التوحد هو اضطراب نمائي يصيب الطفل وتظهر أعراضه بعدم التواصل البصري والكلامي واخفاق في الفعاليات الاجتماعية وعدم القدرة على الاندماج مع الآخرين".
مبينة أن "حالات اضطراب التوحد ازدادت بشكل مخيف في السنوات الاخيرة في العراق، بسبب الحروب والكوارث وانعدام الأمن، ما اضطر الى جعل الطفل يعتمد بشكل كبير على الأجهزة الالكترونية في التواصل، وهذا أحد الاسباب الرئيسة في جعل هذه المشكلة تتفاقم".
يظهر طفل التوحد وكأنه لا يسمع رغم قدرته العالية على سماع الأشياء التي يحبها، كما يجد صعوبة في تحمل سماع الموسيقى او اي صوت عالٍ، فيبدأ بالبكاء، حتى أن أغلبهم قادرون على التكلم، لكن لديهم صفة الصمت الاختياري، اي يصمت متى يشاء ويتكلم متى يشاء.
وأوضحت د. فارس أن "التأهيل لا يعني عملية طبيَّة علاجيَّة بأخذ الدواء، وانما جعله قادرا على استخدام ما يملكه من فعاليات في التواصل والتفاعل مع الآخرين، وتكمن الصعوبة في الاعادة والتكرار وجعله ينقاد ويطيع الاوامر الموجهة له من قبل المعلمين او الوالدين".
مؤكدة أن "أغلب حالات التوحد يتم شفاؤهم ولكن ليس تماما، أي أنه يكون طبيعيا بنحو 90  %، وإن استطاع أن يندمج مع أقرانه في المجتمع، فلا يمكن تمييزه عن الطفل الطبيعي، الا المختص في التوحد يستطيع أن يلتقط صفات له، تبين أن هذا الطفل قد عانى سابقا من اضطراب التوحد". 
 
بسمة أمل
وتعود ام احمد لتستكمل حديثها معنا "مع بلوغ ابني عامه الثاني، بدأت تظهر عليه علامات التلعثم وعدم نطق الكلام بطريقة سوية، زادت حركته بشكل كبير، وكان يميل لإيذاء نفسه، إضافة لنقص عدد ساعات النوم، ما اضطرني الى إدخاله أحد معاهد التأهيل". 
توجد في العراق العديد من المعاهد الحكومية والاهلية تعنى بتأهيل وتعديل سلوك وكيفية تدريب المتوحد على التواصل الكلامي او الحسي.
مدير مركز "بسمة امل" لذوي الاحتياجات الخاصة حيدر العزاوي أوضح خلال حديثه لـ"الصباح"، أن"العلاج الحقيقي لأطفال التوحد هو التدريب والتعليم، فهم اطفال متغيرون سلوكيا وليسوا مرضى!".
مبينا أن "هناك ثلاثة انواع من طيف التوحد، وهو البسيط والمتوسط والعالي الشدة حسب التصنيفات العالمية، فالأطفال المصابون بالتوحد البسيط والمتوسط الشدة ممكن أن يندمجوا بالمحتمع من خلال التدريب والتعليم ببرامج تعالجهم سلوكيا، خاصة أن البرامج المتنوعة والمستحدثة حاليا جعلت الاطفال يستجيبون للعلاج بنسب عالية تصل من 50 الى 80 % في هذه الحالة ممكن دمجهم بالمجتمع ومع أقرانهم الأسوياء بدخولهم الى المدارس الابتدائية".
 
كورونا والتوحد
للأسرة دور كبير في تأهيل طفلها من خلال متابعة حالته مع المركز المختص، بعلاجه واعطائه شعورا بالثقة وتشجيعه على التفاعل مع الآخرين، والاستمرار في تطبيق البرنامج التربوي المناسب.
مديرة مركز "الفارعة" للتوحد وضعف التعلم والنطق فارعة محمد الجوراني، أوضحت أن "اهم خطوة في علاج طفل التوحد هو عدم الانقطاع عن تدريبات التأهيل، سواء في المركز او البيت على حد سواء، لأن الانقطاع سوف يسبب له "نكوص" مما يعني العودة الى نقطة الصفر، وهنا سوف يصبح التأهيل عبئا على الطفل وأهله".
وأكملت الجوراني "بعد أن يأخذ الطفل تدريبات مكثفة حسب حالته، يؤهل لأن يندمج في المدارس الابتدائية، ولدينا حالات كثيرة وصلت الآن الى مراحل متقدمة في الدراسة، واصبحوا طبيعيين وتمَّ شفاؤهم من اضطراب التوحد".
"بعد جائحة كورونا التي فرضت التباعد الاجتماعي وإغلاق المراكز والمعاهد الخاصة بهذه الشريحة، كان المتضرر الأول والأخير هم أطفال التوحد وذووهم، إذ أصبحت حالة الطفل تتردى وتتراجع، بعد أن قضى شوطا كبيرا في التقدم من خلال استمراره في هذه المعاهد والمراكز،  ناهيك عن الحالة النفسية لذوي الطفل، والتي اجبرتهم الظروف إلى البقاء في البيت ومعايشة حالة أبنائهم، التي بدأت بالتردي "، حسب قول الجوراني.
مستدركة " استطعنا ايجاد حل بديل وهو تدريب فردي للأطفال، أي ان كل طفل يكون مع المدرب لمدة ساعة يوميا بشكل متواصل، مع مساعدة الأهل بالاستمرار في البرنامج وعدم الانقطاع".
بعد تقدم الطفل في البرنامج التأهيلي، تصبح الحاجة ملحة في هذه الحالة إلى ما يسمى بالدمج مع الأطفال العاديين، ليكمل المتوحد حياته بصورة طبيعيَّة مع أقرانه.  تنهي ام احمد حديثها بثقة عالية "وضعت نصب عيني التفاؤل نحو النجاح في علاج ابني، ومع الصبر والمثابرة والالتزام ببرنامج المعهد المختص، استطاع أن يشفى أحمد من التوحد وأن يكون أحد طلاب الصف الاول الابتدائي اسوة بأقرانه".