---

محليات

مسؤولية العقل السياسي 

الجمعة July / 12 / 2019
محمد شريف أبو ميسم

مثلما العقل هو مجموعة من القوى الإدراكية، فإن مفهوم العقل السياسي يشير عادةً الى هذه المدركات في إطار حركة السياسة وتشابكاتها، فيكون (الوعي، والمعرفة، والذاكرة والتفكير، والأحكام واللغة) في منظومة واحدة قادرة على التمييز والتقدير وربما معالجة المشاعر والانفعالات وان كانت في اطار التخيل، وبناء عليه فان العقل السياسي يمتلك حق التخيّل مثلما تلقى عليه مسؤولية معالجة العاطفة وبلورتها في سياق المصالح الى مواقف وأفعال. وثمة جدل في السياسة ما زال قائما حول ماهية هذا العقل وصفاته المميزة، على الرغم من بروز كثير من الشخصيات التاريخية التي برعت في السياسة وأضحت أمثلة تدرس في علوم السياسة. 

من هذا المنطلق، فان العقل السياسي مالم يوظف القوى الادراكية في معالجته للأحداث والمعطيات في سياق تحقيق الاهداف، فانه سيبقى يدور في دوامة الوعي الذاتي ولا يستطيع الخروج من بيئة “الأنا” التي يعيشها السياسي بوصفه كائنا يبحث عن نجاحات شخصية بغض النظر عن سياقات الأحداث ومحددات مجموعة “الأنا الأعلى”. ومن ثمّ فإن السياسي حين يكون معنيا بتشريع القوانين ومراقبة أداء الجهاز الحكومي ومنشغلا بتنفيذ مطالب ناخبيه، فانه لابد أن يكون معنيا في البحث عن سر بقاء مسودات أخطر القوانين في أدراج المؤسسة التشريعية مثل قانون ” المحكمة الاتحادية- النفط والغاز- جرائم المعلوماتية..” اذ ان غياب الأول تسبب في سلسلة طويلة من الخروقات الدستورية خلال سنوات المرحلة الانتقالية، وتعويق تشريع الثاني كان سببا في صراع العقود النفطية والخلافات السنوية بين المركز والاقليم بشأن الموازنة العامة وسببا في تهديد مستقبل الثروة النفطية، فيما تسبب غياب الثالث في فوضى مجتمعية عارمة جراء انتهاك حقوق المستخدمين وحقوق الملكية والتعدي على المنظومة القيمية والثقافية للمجتمع. ولا بدَّ للسياسي أن يكون معنيا بالذاكرة السياسية، وهو يتعاطى مع الأحداث والمتغيرات، لتكون الأحكام حصيلة المعرفة بين ماحصل من تأسيس في زمن الحاكم المدني “بول بريمر” ونتائج هذا التأسيس، اذ ان الأوامر التي وضعها “بريمر” والتي أضحت قوانين فيما بعد أسست منذ العمل بالاستيراد المفتوح الذي أغرق الأسواق وأطاح ببقايا الامكانيات الاقتصادية، وانتهاء بأمر ينظم العلاقة بين الكتل السياسية ومفوضية الانتخابات، ولكنه ترك بعض القوى السياسية تمارس التخابر مع دول خارجية وتحصل على التمويل الخارجي بهدف صناعة الفوضى على مدار تلك السنوات، مرورا بأوامر أسست لهدر المال العام وتدفق الكتلة النقدية الى الخارج دون محددات، فضلا عن نضوج الرساميل على حساب المصلحة الوطنية، مع حزمة كبيرة من الأوامر التي فعلت فعلها في تكريس الفوضى. ومن الحكمة أن يتمكن العقل السياسي من ربط أحداث ومعطيات ما حصل في العام 2003 وبين سبب انفاق الولايات المتحدة لمبلغ سبعة ترليونات دولار كما يؤكد ذلك الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” في مناسبات عديدة، كان آخرها في زيارته المفاجئة للعراق حين قال منتقدا سياسة من سبقه ” انفقنا سبعة ترليونات دولار ونأتي بطائرة تحت جنح الظلام” ومن هنا فاننا نتوسم في العقل السياسي أن يعطي تفسيرا لتعويق الاستثمار في البلاد على مدار ستة عشر عاما برغم كل المحاولات الجادة التي سعت لاستقطاب الاستثمار الاجنبي وفي مقدمتها وجود بيئات آمنة للاستثمار في عديد من المحافظات، وتقديم الضمانات للمستثمر، مع تعديل قانون الاستثمار رقم 13 لسنة 2006 والذي أصبح بشهادة كل المراقبين يتفوق على كل القوانين المماثلة له في دول الشرق الأوسط، على الرغم من رغبة العديد من الشركات والدول في الولوج الى البيئة الاستثمارية العراقية، ولكن ذلك لم يحصل، واليوم تتعالى المطالبات دفعا باتجاه تعديل جديد لهذا القانون ليمنح المستثمر حق ملكية الأرض، ليكون هذا التعديل اذا ما حصل بمثابة نضوح في جدار العقل السياسي الذي قد يتسبب في انجراف مدركات الوعي وعدم تجميعها بعد فوات الاوان.