---

محليات

مهارة مكتسبة.. كيف تجعل طفلك قارئا مدى الحياة؟

الخميس March / 18 / 2021

يسعى كثير من الآباء باستمرار لتربية أطفالهم بطريقة تجعلهم يحظون بفرص أفضل في الحياة، ولأن يكونوا "أطفالا عالميين" يمكنهم العيش في أي بقعة من العالم بالتعليم الجيد الذي تلقّوه، وبالمهارات الكثيرة التي اكتسبوها. ويعتقد الآباء أن القراءة هي نقطة الانطلاق نحو هذا الهدف، إذ يجب أن يربوا أطفالا نهمين بالقراءة. فكيف يحدث ذلك؟ ولماذا هناك أشخاص يحبون القراءة أكثر من غيرهم ويجدون فيها متعتهم عن حق؟ هذا هو الموضوع الذي يتناوله المحرر جو بينسكر، المهتم بتغطية شؤون الأسرة والعلاقات، في تقرير نشرته مجلة "ذي أتلانتك" الأميركية.

يمكن للمرء التعرف عليهم من خلال حقائبهم المخصصة لحمل الكتب أو أكواب "محبي الكتب" الخاصة بهم أو، على نحو أكثر موثوقية، من خلال أكوام الورق المطبوعة المغلّفة التي يقلّبونها في حضنهم. يُطلَق على هؤلاء، لعدم وجود مصطلح أكثر دقة من ذلك، قُرّاء.

 

يبدو الانضمام إلى جماعتهم أمرا بسيطا: يكفي الحصول على كتاب ثم قراءته، وها أنت ذا تفوز بلقب قارئ دون الحاجة إلى حمل حقيبة. ولكن تكمن وراء هذه العملية البسيطة مسألة الدافع، إذ لماذا ينشأ بعض الناس مكتسبين متعة كبيرة من القراءة، بينما لا يحظى الآخرون بذلك. والسبب وراء هذا هو ربط القراءة في أوقات الفراغ بالتفوق الأكاديمي والمهني، بالإضافة إلى صعوبة شرح الأسباب بالكامل. ولكن يبدو أن العامل الرئيسي في تفسير ذلك يكمن وراء الأسرة التي يُولد منها الفرد، وثقافة القراءة التي يخلقها الآباء داخل أبنائهم.

يختلف حجم جمهور القراءة الأميركي باختلاف تعريف المرء للقراءة، ففي عام 2017 وصلتْ نسبة البالغين الأميركيين الذين قرؤوا كتابا واحدا على الأقل لا علاقة له بالدراسة أو العمل إلى نحو 53% (أي ما يعادل 125 مليون شخص) في الأشهر الـ 12 الماضية وفقا للصندوق الوطني للفنون (NEA) (وكالة مستقلة تابعة للحكومة الفيدرالية للولايات المتحدة، تُقدِّم الدعم والتمويل للمشاريع التي تُظهِر التميز الفني). أجرى الصندوق الوطني للفنون قبل خمس سنوات استبانة أكثر تفصيلا، وتوصل إلى أن 23% من البالغين الأميركيين كانت قراءتهم "خفيفة" (ينتهون من قراءة كتاب إلى خمسة كتب في السنة)، و10% كانت قراءتهم "معتدلة" (يقرؤون من 6 إلى 11 كتابا)، و13% قرّاء "منتظمون" (يقرؤون من 12 إلى 49 كتابا في السنة)، وخُصصت 5% للقُرّاء "المتعطشين" (مَن ينتهون من قراءة 50 كتابا وأكثر).

 

تقول ويندي جريسوولد، عالمة اجتماع في جامعة "نورثويسترن": "لدى كل مجتمع فئة من البالغين، قد تصل نسبتهم إلى النصف، ممن يقرؤون كثيرا في أوقات فراغهم". وتُطلِق جريسوولد على هذه المجموعة "الطبقة القارئة" -وبإضافة نِسَب القراء "المنتظمين" و"النهمين" بحسب تصنيف الصندوق الوطني للفنون، وبالنظر إلى معدلات القراءة الجادة في بلدان غنية شبيهة، نتوصل إلى أن نحو 20% من البالغين ينتمون إلى الطبقة القارئة في الولايات المتحدة، وأقرّت جريسوولد بأن نسبة أكبر من السكان الأميركيين كانوا مؤهلين بصفتهم قرّاء مولعين بين منتصف القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين؛ الحقبة التي أصبحتْ فيها القراءة ممكنة بفضل اشتعال فتيل تكنولوجيا الطباعة وتقدُّمها وأخمدها التلفاز في النهاية.

 

بعض الأشخاص لديهم فرص أعلى من غيرهم في الانتماء إلى "الطبقة القارئة" بصفتهم أعضاء فيها. تقول جريسوولد: "يمكن التنبؤ بأنماط هؤلاء الأشخاص بسهولة؛ فالنمط الأول والأكثر بداهة أنه كلما زاد تعليم الشخص زادت احتمالية أن يصير قارئا، كما أن سكان الحضر يقرؤون أكثر من سكان الريف، إذ يرتبط الترف بالقراءة، والفتيات الصغيرات يقرأن في وقت أبكر من الأولاد، ويواصلن القراءة في مرحلة البلوغ".

العِرق مهم أيضا، إذ تُشير بيانات الصندوق الوطني للفنون إلى أن 60% من البالغين الأميركيين ذوي البشرة البيضاء أفادوا بقراءة كتاب واحد في العام الماضي لا علاقة له بالعمل أو الدراسة، وهو معدل أعلى من الأميركيين الأفارقة الذين وصلت نسبتهم إلى 47%، والآسيويين 45%، والإسبانيين 32%. يمكن لبعض هذه الروابط أن تعكس ببساطة العلاقة القوية بين التعليم والقراءة.

 

امتلاك أيٍّ من هذه الخصائص أو المزايا لا يضمن بطبيعة الحال إن كان سيصبح الشخص قارئا أم لا، إذ يبدو أن الشخصية تلعب دورا أيضا. يقول دانيال ويلينغهام، أستاذ علم النفس في جامعة فيرجينيا: "يميل الانطوائيون أكثر قليلا إلى القراءة في أوقات الفراغ".

 

تحدث ويلينغهام أيضا عن أهمية عدد الكتب -التي نقب عنها العديد من الباحثين- في منزل الطفولة، وتوصلتْ الدراسات التي تبحث في "ثقافة الأسرة العلمية" إلى ميل الأطفال الذين نشأوا محاطين بالكتب لبلوغ مستويات أعلى في التعليم، وأن يصبحوا قرّاء أفضل من أولئك الذين لم يُحاطوا بالكتب حتى بعد التحكم في تعليم والديهم.

 

مجرد وجود الكتب لا يُمثِّل تحوُّلا سحريا، يتساءل ويلينغهام قائلا: "ما الذي سيحدث الآن إن أخذت طفلا لا يُبلي جيدا في المدرسة ووضعت في منزله 300 كتاب؟ لن يحدث الكثير بكل تأكيد. إذن ما تفسير ذلك؟ ويعتمد التفسير على سؤالين؛ إما عما سيفعله الناس بهذه الكتب، أو هل يشير وجود هذه الكتب إلى مجموعة أكبر من المواقف والسلوكيات والأولويات التي نجدها في ذلك المنزل؟".

من السطحية القول إن ارتباط الطفل بالقراءة يعني التهيئة للنجاح الأكاديمي، على اعتبار أن الدراسة تعتمد في معظمها على القراءة. كما أن هذه الحجة الداعمة للقراءة لا تخبرنا شيئا عن الكثير من البهجة التي يمكن أن تمنحها لنا القراءة، ولكن على الرغم من عدم استمتاع كثير من الناس بالقراءة، أو إيجاد صعوبة في الاستمتاع بها ربما بسبب اضطراب التعلم أو الانتباه (هو اضطراب نفسي يجعل الطفل غير قادر على اتباع الأوامر أو السيطرة على تصرفاته، مما يؤدي إلى تدهور مستواه الدراسي)، فإنها مهارة حيوية. ربما من المُحبِط أن يكون لدى الناس قدرة ضعيفة -هذا إن وُجدتْ- على التنبؤ بما إن كانوا هم أو أطفالهم سيصبحون قرّاء، ولكن لحسن الحظ، هناك أيضا عدد من العوامل الأخرى التي تقع ضمن نطاق سيطرة الناس.

 

يشرح ويلينغهام في كتابه "تربية أطفال قرّاء" (Raising kids who read)، وجود ثلاثة متغيّرات ذات تأثير كبير في تحديد ما إذا كان سيصبح أحدهم قارئا مدى الحياة. أولا، يجب أن يكون لدى الطفل "قدرة على فك الرموز بطلاقة"، بمعنى أن يكون قادرا على الانتقال بسلاسة وانسيابية من الصور المطبوعة في الصفحات وترجمتها إلى كلمات داخل العقل". هذا شيء تُعلِّمه المدارس، ولكن بإمكان الوالدين تقديم المساعدة أيضا عن طريق مشاركة أطفالهم القراءة، خاصة عندما تتضمن هذه القراءة التلاعب بالألفاظ، مما يساعد الأطفال مساعدة خاصة في التعرّف على "الأصوات الفردية" التي تتكون منها الكلمة.

كتاب "تربية أطفال قرّاء"
ثانيا، يقول ويلينغهام إن امتلاك خلفية معرفية ذات نطاق واسع عن العالم يُفيد قدرة الطفل على فك الرموز بطلاقة، كما أشار إلى أن "المتنبئ الرئيسي لتحديد إن كان سيفهم الطفل أو الراشد النص هو مدى إلمامه بالموضوع". لذا تسليح الوالدين أطفالهم بمعلومات عن العالم يساعد في تفسير كل ما يصادفونه من صور مطبوعة، أو التأكد من إلمام أطفالهم بكل ما يقرؤون عنه. وأضاف ويلينغهام قائلا: "بمجرد تحقيق هذين الأمرين، يأتي دور المكون الأخير وهو [الدافع]، إذ يجب أن تتخذ موقفا إيجابيا تجاه القراءة وصورة إيجابية عن نفسك باعتبارك قارئا".

 

هذا المكون الثالث هو محور التركيز الرئيسي لكتاب "كيف تربِّي قارئا؟" (How to Raise a Reader) وهو من تأليف المحررة باميلا بول، وماريا روسو، محررة كتب أطفال، وتعمل كلتاهما في ملحق مراجعة الكتب في صحيفة "نيويورك تايمز". تقول بول: "يتوتر الكثير من الآباء جراء جميع الأبحاث التي تُقِرّ بارتباط القراءة بأشياء مثل النجاح الأكاديمي، والنجاح في الاختبارات، والوظيفة التنفيذية، والسلامة النفسية العاطفية. ونتيجة لذلك يفكر الآباء بهذه الطريقة مرددين: "حسنا، لا بد لطفلي أن يصير قارئا". ويمكن لهذه العقلية أن تقودهم إلى إلزام أطفالهم بالقراءة، ويدرك الأطفال ذلك فورا، إذ يعرفون، على سبيل المثال، إن كنت تحاول إجبارهم على أكل شيء يفيدهم، وبذلك يكون الهدف هو عدم تقديم القراءة على أنها وجبة "سبانخ" وإنما "كعكة شوكولاتة".

كتاب (كيف تربِّي قارئا)
ستبدو القراءة مثل كعكة الشوكولاتة إن كانت شيئا يمارسه الوالدان بسعادة وانتظام. تقول روسو: "عندما أجلس هناك على أريكتي وأقرأ كتابا بينما ينهمك أولادي فيما يفعلون، أحب التفكير في كوني أؤدي الآن الدور الصحيح للتربية عندما يشاهدونني أقرأ هذا الكتاب". وبالمثل تقول بول: "أيًّا كان ما تفعله بعد العشاء، سواء كان تقليبا في الهاتف، أو تشغيل الحاسوب، أو مشاهدة التلفاز، فعلى الأرجح سيلاحظ الأطفال ذلك. يرسل الآباء رسائل باستمرار إلى أطفالهم توضح كيفية اختيار قضاء أوقات فراغهم".

ليس شرطا على الآباء أن ينشأوا متعطشين أو نهمين للقراءة ليكون لديهم قدرة على تربية قرّاء متعطشين. اقترحتْ كلٌّ من بول وروسو مجموعة من الأشياء التي يمكن للوالدين القيام بها لتبدو القراءة مثيرة وجديرة بالاهتمام، مثل التحدث عن الكتب باعتبارها جزءا من المحادثات اليومية أثناء وجبات الطعام أو ركوب السيارة، والتوقف بانتظام أمام المكتبات ومحلات بيع الكتب وقضاء وقت هناك، ومنح الكتب هدايا لأعياد الميلاد.

 

كما نصحت بول الآباء بنثر الكتب في جميع أنحاء المنزل بدلا من تخبئتها في غرفة النوم أو جزء معين من المنزل بعيدا عن أي شخص آخر لقيمتها الثمينة. فعلى الرغم من أن تجميع مكتبة منزلية كبيرة يبدو أمرا مُكلِّفا، فإن شراء كتب مستعملة رخيصة الثمن واستعارة الكثير منها بالمجان يمكن أن يكون بديلا عن ذلك، وتضيف بول: "لست بحاجة إلى الكثير من المال ليمتلئ منزلك بالكتب، كما أنه من الصعب للغاية أن يصاب طفلك بالملل إن كانت تحيط به الكتب دائما".

 

وفي أثناء المقابلة، عرّفت روسو القراءة على أنها "نظام خاص لتوصيل المتعة"، ويبدو طريقة أساسية لجعل الأطفال يقرؤون، فعلى الرغم من إدراك الكثير من الآباء الفوائد العديدة للقراءة من حيث تأثيرها على النتائج اللاحقة في الحياة، فإن تركيزهم في الوقت الحالي يجب أن يتمحور حول مساعدة الأطفال في اكتشاف القيمة الجوهرية للقراءة، وستتوالى الإيجابيات الأخرى فيما بعد.